أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

641

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الرابع : أن تكون حالا من « جنة » ، وجاز ذلك لأنّ النكرة قد تخصّصت بالوصف ، ولا بدّ من تقدير « قد » حينئذ ، أي : وقد أصابها . قوله : فَآتَتْ أُكُلَها فيه ثلاثة أوجه : أحدها : وهو الأصحّ أنّ « آتت » تتعدّى لاثنين ، حذف أولهما وهو « صاحبها » أو « أهلها » . والذي حسّن حذفه أنّ القصد الإخبار عمّا تثمر لا عمّن تثمر له ، ولأنه مقدر في قوله : « كمثل جنة » أي غارس جنة أو صاحب جنة ، كما تقدّم . و « أكلها » هو المفعول الثاني . و « ضعفين » نصب على الحال من « أكلها » . والثاني : أنّ « ضعفين » هو المفعول الثاني ، وهذا سهو من قائله وغلط . والثالث : أنّ « آتت » هنا بمعنى أخرجت ، فهو متعدّ لمفعول واحد . قال أبو البقاء : « لأنّ معنى « آتت » : أخرجت ، وهو من الإتاء ، وهو الرّيع » . قال الشيخ « 1 » : « لا نعلم ذلك في لسان العرب » . ونسبة الإيتاء إليها مجاز . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو « أكلها » بضمّ الهمزة وسكون الكاف ، وهكذا كلّ ما أضيف من هذا إلى مؤنث ، إلا أبا عمرو فإنه يثقّل ما أضيف إلى غير ضمير أو إلى ضمير المذكر ، والباقون بالتثقيل مطلقا ، وسيأتي إيضاح هذا كلّه . والأكل بالضم : الشيء المأكول ، وبالفتح مصدر ، وأضيف إلى الجنة لأنها محلّه أو سببه . قوله : فَطَلٌّ الفاء جواب الشرط ، ولا بدّ من حذف بعدها لتكمل جملة الجواب . واختلف في ذلك على ثلاثة أوجه ، فذهب المبرد إلى أنّ المحذوف خبر ، وقوله : « فطلّ » مبتدأ ، والتقدير : « فطلّ يصيبها » . وجاز الابتداء هنا بالنكرة لأنها في جواب الشرط ، وهو من جملة المسوّغات للابتداء بالنكرة ، ومن كلامهم : « إن ذهب عير فعير في الرّباط » « 2 » . والثاني : أنه خبر مبتدإ مضمر ، أي : فالذي يصيبها طلّ . والثالث : أنه فاعل بفعل مضمر تقديره : فيصيبها طلّ ، وهذا أبينها . إلّا أنّ الشيخ « 3 » قال : - بعد ذكر الثلاثة الأوجه - « والأخير يحتاج فيه إلى حذف الجملة الواقعة جوابا وإبقاء معمول لبعضها ، لأنه متى دخلت الفاء على المضارع فإنما هو على إضمار مبتدإ كقوله : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ « 4 » أي : فهو ينتقم ، فلذلك يحتاج إلى هذا التقدير هنا ، أي : فهي ، أي : الجنة يصيبها طلّ ، وأمّا في التقديرين السابقين فلا يحتاج إلّا إلى حذف أحد جزئي الجملة » وفيما قاله نظر ، لأنّا لا نسلّم أن المضارع بعد الفاء الواقعة جوابا يحتاج إلى إضمار مبتدأ . ونظير الآية قول امرئ القيس : 1073 - ألا إن لا تكن إبل فمعزى * كأنّ قرون جلّتها العصيّ « 5 »

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 312 ) . ( 2 ) مجمع الأمثال ( 1 / 40 ) . قال الميداني : والرباط : ما تشد به الدابة - ويضرب في الرضا بالحاضر وترك الغائب . ( 3 ) البحر المحيط ( 2 / 313 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، آية ( 95 ) . ( 5 ) البيت في ديوانه ( 136 ) ، البحر المحيط ( 1 / 218 ) .